samedi 25 février 2012

سوريا : الأيام القادمة ستحمل تطورات مثيرة

ربما كان مجرد حدس، ولكن التطورات التي شهدها الأمس (الجمعة 24 فيفري) على مستوى القضية السورية تجعلني أجزم أن أحداثا خفية توالت في الأيام الماضية دون أن ينتبه لها أحد. سأعدد في هذا المقال بعض ما أمكننا متابعته على مستوى الإعلام:

  • جانفي : إنهيار العملة الإيرانية إلى النصف.
  • فيفري : خطابات متتالية لحسن نصرالله يجدد فيها تأييده المطلق لإيران وسوريا.
  • زيارة إسماعيل هنية إلى قطر.
  • زيارة إسماعيل هنية إلى إيران.
  • التدريب المفترض للبحرية السورية من طرف نظيرتها الإيرانية (في ظرف قياسي : يوم واحد تقريبا)
  • دخول الصليب الأحمر الدولي إلى سوريا وإجلاء الصحفيين في حمص.
  • مظاهرات غير مسبوقة في سوريا : كل المدن بما في ذلك حلب ودمشق.
  • إنسحاب هيئة التنسيق السورية من مؤتمر أصدقاء سوريا.
  • مؤتمر "أصدقاء الشعب السوري" بتونس يقترح حلا على الطريقة اليمنية.
  • إعلان هنية البارحة مساندته (ومن وراءه حركة حماس) لثورة الشعب السوري.
  • تململ المعارضة السورية في أغلبها من الصبغة الإنسانية لمؤتمر تونس ومطالبتها بوضوح بتدخل عسكري.
  • نافي بيلاي تقول أن الوقت قد حان لمحاكمة الأسد، أوباما يشير إلى أن الوقت قد حان لإيقاف حمام الدم.

هناك إرتباط مباشر حينا و غير مباشر أحيانا بين كل هذه الأحداث، مما يقودنا إلى الأسئلة التالية :
  • كيف إستطاع القطريون ترويض حماس؟ ماهي الصفقة التي عجز الإيرانيون عن المزايدة عليها؟
  • ما مدى قدرة إيران على مواصلة تسليح بشار الأسد في ظل العقوبات عليها وعدم وجود منفذ مباشر للأسلحة؟
  • إلى أي مدى سيصمد الموقف الروسي مع إقتراب الإنتخابات الرئاسية في روسيا وتزايد غليان المعارضة في موسكو؟

ما أرجحه شخصيا هو أن الخارجية الأمريكية أبلغت دولا عدة من بينها قطر والسعودية بمعلومات إستخبارية ما حول الوضع في سوريا. فليس من السهل إقناع حماس في ظرف يوم بتغيير موقف هي عليه منذ عام، بالإضافة إلى علاقتها المتميزة بنظام الأسد (ولنذكر إقامة خالد مشعل في دمشق مثلا)، ولكنني مع ذلك لا أزعم معرفتي بمثل هذه المعلومات. وسواء أصبت في ذلك أم أخطأت، فإنني على يقين من أن مثل هذه الأحداث المتزامنة والمثيرة لا بد أن يكون ورائها سر ما. فالطلاق مع شريكين مثل إيران وسوريا ليس أمرا إعتباطيا، ولا يقدم على مثل هذا العمل دون ضمان سوى شخص مثل القذافي، وعملية "تدريب" البحرية السورية لا يصدقها أحد.

السبب الذي يجعلني أعتقد في نظرية "المعلومات الإستخبارية والصفقة الخليجية" هو أن حماس كانت تعتمد على سوريا وحزب الله في تسليحها (عبر مصر) ولسنا في حاجة للتدليل على عمليات حزب الله في مصر فالكل يتذكر الخلية التابعة له التي تم إيقافها في سيناء. ومادام هنية تخلى عن سوريا فهو إذن يتخلى عن حزب الله وإيران أيضا، وبالتالي يخسر قوة مهمة في مواجهته مع إسرائيل.
بالنهاية، قد يميل البعض إلى التفسير الطائفي للوضع، أي أن حماس وجدت صيغة ممارسة لها مع دول سنية بما في ذلك حكومة الإخوان المسلمين في مصر بما يخرجها من التصنيف العجيب لها كجزء من الهلال الشيعي مع أنها حركة إخوانية بالأساس. ولكنه غير كاف بالنسبة لحركة فيها الكثير من أدبيات الإخوان المسلمين (الذين عادة يفضلون الصمت على فقدان حليف بالكلام) البراغماتية في مثل الوضع السياسي الحالي.

لكن لا يجب أن ننسى أن مفاوضات "تاريخية" تجري الآن في القاهرة بين حماس ومنظمة التحريرالفلسطينية من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولا يزال الإتفاق فيها بعيد المنال. لذلك لا أعتقد أن حماس ستقدم على هذا الموقف التاريخي وهي تعرف أنه سيضعف موقفها في المفاوضات. لا بد أن أمرا حاسما يبدو حتميا لحماس في الأيام المقبلة لكي تترك صف سوريا بهذه البساطة.

الأمر الأكثر إثارة هو تصلب موقف المعارضين السوريين : فإنسحاب هيئة التنسيق السورية ومطالبة المعارضين في مظاهرات حاشدة داخل وخارج سوريا بالتدخل العسكري يكشف عدم إيمانهم بالحل السياسي. والأكيد أنهم يعتبرون هذه المبادرة متأخرة جدا، ولكن هذا لا ينفي أهمية مؤتمر تونس، لأنه نوع من العرف السياسي الديبلوماسي. أعتقد شخصيا أن التخطيط لمؤتمر ثان وثالث قبل إنتهاء الأول يكشف ـ ولو دون قصد ـ أن مجموعة الدول المجتمعة في تونس تعرف جيدا أن الأسد قد بلغ مرحلة اللاعودة ولن يستجيب للحل على الطريقة اليمنية، فيأتي بعد ذلك مؤتمران لتصحيح المسار وشرعنة التدخل العسكري. طبعا هناك أمل ضئيل بأن يستسلم الأسد ولكن أكثرنا واقعية يعرف أن ذلك مستحيل لأن المشروع الإيراني الذي يدار منذ 30 عاما سيفشل بسقوط الأسد.

هناك طرف آخر في المعادلة ينساه كثيرون : وهو الجيش السوري الحر. هذا الطرف الذي أثبت أنه قادر على مواجهة جيش الأسد (فهو يسيطر مثلا على إدلب منذ أسابيع) أصبح مخرجا للجنود السوريين. المتابع للتطورات العسكرية يلاحظ أن الجيش النظامي أصبح يكثر من إستعمال الأسلحة الإستراتيجية وخاصة مدفعية الهاون الكلاسيكية على حساب الأسلحة التكتيكية مما يعني أنه أصبح يخشى المواجهة المباشرة مع الجيش الحر. ليس لأن الجيش الحر أقوى ولكن لأن هذا الأخير أصبح يستدرجه إلى حرب عصابات، مما يدفعه إلى دخول المناطق الحضرية ويهدد أعداده بالتقلص نتيجة للإنشقاقات وإرتفاع كلفة حرب العصابات. لقد أصبح جيش الأسد يستعمل تكتيكا سوفياتيا قديما هو "المفوضون السياسيون" ويلعب هذا الدور الآن "شبيحة" النظام الذين يؤطرون عمل الجنود وينكلون بأي منشق، ولكن لا يبدو أن مثل هذه التكتيكات تكفي.

لقد ورط الأسد نظامه، وإيران، وحزب الله ونفسه في مأزق لأن الديكتاتور لا يتعلم بسهولة من تجارب أمثاله. منذ سنة كان الأسد سيد بلاده وكان يستطيع أن يبدأ حزمة إصلاحات جدية تكفيه شر القتال، ولكن دعم إيران وحزب الله وفساد الطبقة الحاكمة جعله ينغمس في القمع لإعتقاده أن دعمهما قد ينقذه من حتمية تاريخية. لقد كان واهما. والآن حسن نصرالله في مهب الريح لأن جبن الأسد قد يدفعه إلى ترك أهل البلاء في البلاء، وهو ما يحاول أن يقنع نفسه بعكسه في كل خطاباته منذ تأزم الأوضاع، خاصة خطابيه الأخيرين الذين يبدوان كحديثه لنفسه.

على كل، ستكشف لنا الأيام المقبلة، رويدا رويدا، عن معلومات وتفاصيل أخرى ربما أعجز عن التفكير فيها الآن.

samedi 28 janvier 2012

Changer le Display Manager dans Linux

Aurez-vous besoin de changer votre "Display Manager" sous Linux? Peut-être. Mais certainement, c'est une info utile pour ceux parmi nous qui utilisent Linux. Je vais vous raconter l'histoire qui m'a poussé à écrire cet article.

Ça a commencé avec la nostalgie que j'ai eue envers KDE4. Puisque j'utilise l'édition principale de Linux Mint 10 Julia que j'ai eue sur CD, j'ai pas eu le confort de l'avoir installé depuis le début, donc j'ai décide d'installer le "package" [kde-full] avec le gestionnaire de paquetages Synaptic, ce qui signifie l'installation de tout ce qui est nécessaire pour avoir KDE4. (450 Mo de données à télécharger)

Après l'installation de KDE4, qui fonctionne déjà bien, j'ai pensé à changer mon "Display Manager". Pourquoi? simplement parce que mon systéme utilise GDM (Gnome Display Manager) par défaut pour l'écran de connexion. Ceci dit, KDE4 ne peut pas avoir accés aux ressources nécessaires pour arrêter ou redémarrer le système, ce qui m'oblige chaque fois à me déconnecter de ma session KDE4 puis arrêter ou redémarrer avec GDM. Et ma faute était de ne pas choisir KDM comme Display Manager par défaut lors de l'installation de KDE4.

Alors après une recherche manuelle, en me basant sur le réflexe naturel que tout ce cache sous le dossier "/etc/" j'ai trouvé la solution. il suffit de changer un fichier système de configuration sous "/etc/X11".




Voici la procédure :
1- ouvrir un terminal.
2- passer en mode root (su root) et taper le mot de passe root.
3- renommer le fichier "/etc/X11/default-display-manager" :
  # mv default-display-manager default-display-manager.old
4- créer un nouveau fichier du même nom et le modifier :
Si vous voulez utiliser KDM (comme dans mon cas)
  # echo "/usr/bin/kdm" > default-display-manager
Sinon pour GDM
  # echo "/usr/sbin/gdm" > default-display-manager
5- redémarrer Linux.

Attention : il est préférable de ne pas toucher aux fichiers de "/etc/" pour un utilisateur novice.

mercredi 28 septembre 2011

مساندة للمدونة التونسيّة لينا بن مهني

لا يحصل سوى في بلداننا : تشويه مواطنين شرفاء وشجعان و"تنظيف" من سخر من الشعب وآلامه  كذلك الخسيس برهان بسيس. لينا بن مهني التي لعبت دورا لايمكن إنكاره في الثورة، والتي نقلت للعالم عبر مدونتها و"تويتر" و"فايسبوك" محنة الشعب التونسي أصبحت فجأة غير أهل لجائزة نوبل للسلام التي رشحت لها. لماذا؟ لأنها فتاة تونسية تقول الحقيقة دون تزييف ولا تحسن الكذب، فصنعت حولها أساطير مضحكة حول إنتماءها لجماعات غريبة وقيامها بطقوس عجيبة وطبعا، الأسطورة الأكثر بيعا لدى شعوبنا الغبيّة وهي الإنتماء لمؤامرة صهيونية أمريكية لتدمير العالم العربي المدمر بطبعه.
ليست هناك سوى مؤامرة واحدة هي مؤامرة التجهيل والتطرف التي تنال من هذا الشعب، إلى درجة أنني أصبحت أعتقد أن هذا الشعب في أغلبه لا يعرف الشجاعة سوى في مواجهة الشرطة، فهو إلى الآن أجبن من مواجهة خرافاته وضعفه وسهولة تصديقه لأشياء لا يصدقها حتى أهل سولت لايك سيتي.
أعلن من هنا دعمي اللّا مشروط للمدونة البارعة الشجاعة والأستاذة الجامعية والبطلة الرياضية والناشطة الأكثر ثباتا في تونس لينا بن مهني، ولو كره السذّج والخوانجية.

samedi 10 septembre 2011

الإسلام السياسي وأزمة الفكر المنغلق ـ الجزء الثاني


شاهدت منذ أيام مقطع فيديو لأحد هؤلاء الذين يدافعون عن المشروع الإسلاموي في مصر الشقيقة، وهو المدعو "وجدي غنيم" الذي قال بكل بساطة ما معناه أن العلمانيّ كافر حين يطالب بالعلمانيّة في أوطاننا إلخ.. ولم أستطع المواصلة في مشاهدته لأنه كبقيّة فيديوهات المتأسلمين ليس سوى زعيق ونهيق وسبّ وشتم وتكفير.
هذا الذي يدعي أنه عالم ـ ولو كان عالما فلا أعرف  بما يمكننا وصف أينشتاين وفينمان وشرودينغر وواينبرغ وأحمد زويل ـ لم يفهم أن الإسلام لن يصل إلى الحكم في كلّ الحالات، ولكن دغمائيته تعميه ككلّ أمثاله. ليس هناك ممثل شرعيّ للإسلام في كلّ الحالات، وليس هناك أي سبب يجعلنا نعطي هذا الشرف إلى دين ونمنعه عن آخر، سوى تهمّجنا ودغمائيتنا بدورنا. لن يصل إلى الحكم سوى شرذمة لا علاقة لها بتسيير الدولة في حالة المشروع الإسلامويّ وسوف لن يضمن لنا كلّ هذا سوى إنقلابهم على الدّيمقراطيّة كما يعرف كلّ من تابع المشروع الإخوانيّ منذ بدايته.
طبعا لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا الزاعق الناهق الذي ذكرت لجأ كغيره من منافقي الحركات الإسلاميّة إلى بريطانيا العلمانيّة حالما أنذرته السلطة المصريّة إلى أنه تجاوز حدوده. وقد لبث لمدّة من الزمن في لندن ثمّ طرد منها كالسّفلة لأنه لم يصبر على سوء أخلاقه ووقاحته وشرع يحرّض مسلمي بريطانيا وخاصة المهاجرين منهم على إيذاء الشعب الذي إستقبلهم ومكّنهم من حياة كريمة. وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا.
الغريب في الأمر هو أن مصر إلى حدود هذه اللحظة لا تزال مجرّد دولة دينيّة سخيفة مثل ممالك أوروبا في العصور الوسطى، بل إنني أعتقد أن الشعب المصريّ أكثر تقدّمية من القوانين التي تحكمه. أن تكون مسيحيا في مصر ليس بالأمر الهيّن، أمّا أن تتحوّل إلى مسيحيّ فهي الطّامّة الكبرى. لا أحب أن أستطرد في هذا الموضوع وأذكر أمثلة لأنها مؤلمة لكلّ من لم يتحجّر قلبه بتأثير المدعوذين ـ الدعاة المشعوذين ـ ولكنني أعتقد أن بحثا بسيطا على غوغل يكفي لفهم الأمر.
من أهمّ منجزات تونس في ما بعد الإستقلال هو أنها تخلصت من تأثير المدعوذين، فالفئة المستعدّة لخرق القانون المدني من أجل تطبيق فتوى أحد هؤلاء الشيوخ المجانين هي فئة نادرة تماما. وما يجب أن يفهم التونسيّ هو أنّ القانون هو ما يحكم النّاس وأنّ الدين هو شأن شخصي لا علاقة له بحقوق الإنسان وواجباته. والفتوى هي مجرّد وجهة نظر لا تلزم إلّا صاحبها.
ليس لدي أدنى شك في أن نخبة هذا الوطن لن تتخلى عن مكاسبها لأنها تدرك جيّدا مدى خطورة هؤلاء الأشخاص. وحتى لو أن مشروعا إسلامويا ظهر في تونس فإنه سيفشل بكلّ تأكيد، لأن نخبة هذا الوطن كما أسلفت الذكر ليسوا جهلاء ولا تنطلي عليهم شعوذات المشعوذين. ولكن مجرّد الجلوس في إنتظار أمثال هؤلاء ليس عملا حكيما، لأنه يجدر بنا فهم أسباب وجودهم و ظهورهم. هناك عدّة حقائق يمكننا باعتمادها تذليل الصعوبات في رسم صورة واقعيّة للمتطرّفين المسلمين.
إحدى أهم هذه الحقائق هي أن مجتمعنا حتى في أشدّ لحظات حداثته، لا يزال يتعامل براديكاليّة فريدة من نوعها مع تراثه الدّيني ولا تزال القداسة تحيط بأشياء لا ينبغي تقديسها بأيّ منطق. وهنا سأطرح مجموعة من الإختلافات مع الغرب مثلا لنفهم سبب نجاح المشروع الحضاريّ عندهم وفشله عندنا.
السبب الأوّل هو بدون شكّ الجمود والتطرّف في المؤسسة الدينيّة، وهو في حقيقته ليس سوى إمتداد لمشكلة أعمق أصابت دولة الخلافة في بداياتها وهي مسألة الشرعيّة، التي كانت موضوع مزايدة دينيّة هي الأولى من نوعها. لقد تمّ إستهلاك الإسلام سياسيا منذ البداية، وقدوم الإسلام لم يحوّل العرب بأعجوبة من همّج رعاع إلى أصحاب حضارة، فسرعان ما ظهرت الملوكيّة في الخلافة مع الدولة الأمويّة ثم تواصلت مع الدولة العبّاسيّة، التي كتب فيها تاريخ الإسلام المعروف كالصحيحين والتآريخ على أنواعها. ولتلخيص الفكرة وتبسيطها أقول أن كلّ الإرث المكتوب في الإسلام كتب بعد أعمق الأزمات السياسيّة، وكمعلومة أسوقها أقول أن الإمام البخاري ولد سنة 194 هجريّة، أي بعد أنهيار الدولة الأمويّة وتمكّن العبّاسيين من الحكم. فأي نسبة من المصداقيّة يمكن أن نضمنها في صحيحه؟ حتى لو لم يعمد البخاري أو غيره إلى فرض وجهة نظره فإنه سيكون مضطرا إلى أن لا يغضب السلطة القائمة حينها وإلا لنال منها ما لا يسرّ أحدا. فالسلطة السياسيّة جمعت معها السلطة الدينيّة أيضا لتبرير وجودها، وهي لم تتهاون في موضوع شرعيّتها أبدا. لقد كان من الضروري أن تتجمّد المؤسسة الدينيّة لإطالة الحكم، وللأسف جائت عمليّة التأريخ إثر ذلك.
رغم أن العهد العبّاسي شهد تزايدا في الحريّات العامة و جعل الفكر العربيّ يبلغ عصره الذهبيّ فإن العبّاسيين لم يتخلوا عن إستراتيجيّة الجمود الديني التي ضمنت لهم إستقرارا سياسيّا وأتاحت كلّ ما أمكن من فرص لإبادة الخصوم السّياسيين. من نتائج ذلك تقديس نظام الخليفة المتواصل إلى الآن في بعض الأوساط، وهذا التقديس ليس سوى نتيجة دعاية للحفاظ على العرش. ‫ قال الذهبي : "لم يصح عن الوليد [بن يزيد] كفر ولا زندقة ، بل اشتهر بالخمر والتلوط ، فخرجوا عليه ‫لذلك ، وذكر الوليد مرة عند المهتدي فقال رجل : كان زنديقا ، فقال المهتدي : مه ، خلافـة آلله ‫عنده أجل من أن يجعلها في زنديق" والأكيد أن المهتدي قال ذلك وهو يفكّر في البقاء سالما على عرشه.
ولكن الأغرب من ذلك هو أن الوليد ألحد في شعره كثيرا، ورمى المصحف بالسهام، ومن أشهر ما روي عن ذلك قوله :
‫            تلعب بالخلافة هاشمي        بلا وحي أتاه ولا كتاب
          ‫فقل لله يمنعني طعامي       ‫وقل لله يمنعني شرابي
هذه اللحظات المثيرة من تاريخ دولة المسلمين التي يرون في العودة إليها وإلى قيمها حلّا سحريّا لمشاكلنا تجعلنا نتيقّن من أن التّاريخ لا يرحم أيا كان وأن المناداة بمشروع ديني كحلّ لمشاكل إجتماعيّة وإقتصاديّة وسياسيّة ليس سوى ضرب من الجنون! لقد فشل هذا المشروع في الدولة البدائية البسيطة فكيف سينجح في عالم اليوم خاصة وأن له آثار جانبيّة كثيرة كاضطهاد الأقليّات وإنتهاك الحريّات الأساسيّة و إثارة الأوضاع السياسية الإقليميّة المتدهورة بطبعها؟
السبب الثاني هو تأخرنا عن ركب الحضارة إلى حد الآن، فنحن لم نقدّم للبشريّة شيئا ذا قيمة منذ أيّام إبن رشد. لم نتعلّم سوى إستغلال الدعاية الدينية لإطالة الديكتاتوريّات وقتل الأبرياء وتفجير أنفسنا، ولا عجب أن يعتقد كلّ العالم أننا إرهابيّون! فنحن من يستكثر حتى المتعة الجنسيّة على زوجاتنا فنختنهنّ في السودان ومصر! لماذا لم توجد طالبان بوذية أو قاعدة سيخيّة أو أبو سيّاف مسيحيّ؟ لماذا الإرهاب إختصاصنا ولماذا أصبحنا نعترف بذلك؟
نحن أيضا الشعب الوحيد في العالم الذي يقدّس مبادئ العلمانيّة في كلّ الدول الأجنبيّة ولكنه في أغلبيّته يجرمها بين ظهرانيه، وهذا أهمّ مظهر للنفاق في الإسلام السّياسي. لقد لاحظت شخصيّا أن الرأي العام ينظر للعلمانيين على أساس أنهم كفّار أو قادمون من الفضاء الخارجي أو مجرّد عملاء (كالعادة) لمؤامرة صهيونيّة أمريكيّة لإخضاع العرب (كما لوأن مشكلة الأمريكيين ليست الصين مركز الفساد الإقتصادي أو روسيا الأمبرياليّة أو مخدّرات كولومبيا والجريمة المنظّمة) والغريب في الأمر أنهم يخطؤون في مصطلح "علماني" ليقصدوا به "ملحد"!!
كنت دائما ما أسوق الإخوان المسلمين كنموذج على الشّر القادم من الإسلاميين، ولكن إتضح لي أن الأغلبيّة الساحقة لا يعرفون حقيقة أيديولوجيّتهم. أنا أعتبرهم أخطر من القاعدة على العالم والوطن معا لأنهم إنتهازيّون ينتظرون الفوز في اللعبة الديمقراطيّة لإقامة ديكتاتوريّتهم، وهذا باعترافهم طبعا. أين هي قيم الحريّة إذن حين يحوّل حسن البنّا خصومه السّياسيين إلى أتباع الشيطان؟ ("إن حزب الله هو الحزب المأمور بقيامه وعكسه حزب الشيطان الممنوع قيامه") أو حين يطرح مصطفى مشهور ـ المرشد السابق للإخوان في مصر ـ أجندا حزبه بالقول "إننا نقبل بمبدأ التعدديّة الحزبيّة الآن لكن عندما يقوم حكم إسلامي فإننا نرفضها ولا نقبلها".
نعم أقول لكم أن الكثير من المسلمين يعتقدون أن الفقهاء هم أفهم النّاس بأمور الدنيا وهذا هو سبب تواصل الإسلام السّياسيّ. والأمر شبيه بالقول أن لاعبي كرة القدم هم أفقه الناس بالهندسة! لقد أثبت لنا التاريخ عكس ذلك تماما، ففقهاء المسلمين حرّموا الخروج على الحاكم حتّى لو كان جائرا، وقرروا أن إقامة حكومة وتنصيب حاكم هو فرض كفاية على المسلمين ـ دون غيرهم ـ إذا قام به البعض سقط عن الآخرين. وهذا هو الإستبداد والجور بأمّ عينه.
إنهم يدّعون أن البيعة أفضل من الإنتخابات (وقد فاتهم أن البيعة تقليد جاهلي سبق الإسلام بكثير) وأن نظام الخلافة هو الحلّ! ولنا أن نتخيّل معنى ذلك حين نذكر هذه القصّة : فقد طلب معاوية بن أبي سفيان البيعة لنفسه وليزيد إبنه من بعده، وقام خطيبه يزيد بن المقفّع قائلا للناس : "أمير المؤمنين هذا ـ وأشار إلى معاوية ـ فإن هلك فهذا ـ وأشار إلى يزيد ـ فمن أبى فهذا ـ وأشار إلى سيفه".
لعلّهم ينكرون الأمويين ويدّعون شرعيّة للرّاشدين ونزاهتهم، و لكن في الحقيقة لم يختلف الأمر كثيرا : فأوّل صراع على السلطة نشب مباشرة إثر وفاة الرسول، في حادثة شهيرة تعرف بحادثة سقيفة بن ساعدة، وهي السقيفة التي إجتمع بها الصحابة للتوافق على الحاكم الجديد، إلى درجة أن أبا بكر وعمر بن الخطّاب لم يشهدوا غسل وتكفين ودفن الرّسول! (سيرة إبن هشام)  ومع ظهور شقّ مضاد لأبي بكر بقيادة سعد بن عبادة، تحوّل الأمر إلى صراع : ففرض عمر بن الخطّاب بيعة أبي بكر بالقوّة حين حاصر المعارضين ببيت علي بن أبي طالب وهو يحمل ورجاله المشاعل وأعلن : "والله لأحرقنّ عليكم البيت أولتخرجنّ إلى البيعة". (تأريخ الطبري)
فلنذكر أيضا ما حدث لسعد بن عبادة، الذي لم يعترف بخلافتي أبي بكر وعمر : فرغم أنه كان زعيم الخزرج وله دور كبير في تأسيس الدولة في المدينة فإنه ذهب ضحيّة إغتيال (تأريخ الطبري) نسبه المؤرخون المسلمون إلى الجنّ (!) في حين أنه من البديهي إستنتاج تورّط عمر بن الخطّاب به.
ولكم يبدو هذا التاريخ غريبا وكأنّه مجرّد خيال، رغم أنه هو التاريخ الذي كتبه المسلمون بأنفسهم! إنهم يراهنون على غبائنا ليجلبوا لنا المستبد العادل، الذي للأسف لم ولن يوجد أبدا. سيوجد دائما حكّام في كلّ دولة دينيّة يتحوّلون إلى آلهة، فيستصدرون فتاوى كما فعل يزيد بن معاوية تقرر أنه "ما على الخلفاء حساب أو عذاب"! (السيوطي ـ تاريخ الخلفاء) وغير ذلك كثير، فمن يقرأ الطبري والسيوطي والمسعودي وغيرهم من المؤرخين سيجد من أمثال هذه الحوادث الشيء الكثير. لقد بدأت أزمة الإسلام السياسي منذ ظهوره ليلة وفاة الرسول، ولم يوجد أبدا حكم رشيد بأتم معنى الكلمة. ولا سبيل لإعادة هذه التجربة التي فشلت في زمنها الطبيعي، ناهيك عن أزمان أخرى.

lundi 29 août 2011

الإسلام السياسي وأزمة الفكر المنغلق ـ الجزء الأوّل

ليس من الصدق أن يدّعي أيّ شخص أنه فهم كلّ ما يتعلّق بالحركات الإسلاميّة، فالموضوع شديد التّفرّع والتّعقيد، ولكن أفضل ما يقدر عليه أي شخص هو رسم صورة ظرفيّة محدودة بزمان ومكان وأشخاص يجمعهم قاسم مشترك معيّن. فالإسلاميّون يندرجون تحت تصنيفات متعدّدة نابعة من الطّائفيّة والعرقيّة ومدى المحافظة بالإضافة إلى التّمازج الأيديولوجي. ولكي أضمن فهما أفضل للموضوع فإنني سأضع مقدّمة شديدة التّفصيل قبل طرح الفكرة الأساسيّة.
أوّلا : مالمقصود بالإسلاميّين في هذا المقال؟ هم ببساطة المجموعات الّتي تبتغي جهرا أو سرّا إقامة دولة دينيّة، أو إنجاز أعمال عنف لأسباب دينيّة، أو معاداة أي إنفتاح ثقافيّ باسم الدّين أوحتّى معاداة أي حقوق أساسيّة للإنسان باسم الدّين. هم باختصار من يمثّلون أفعال الشّر ذات التبرير الدّينيّ، على أساس أنّ الخير هو المعرفة، المساواة، الحريّة والكرامة بمعزل عن العرق والجنس والدّين.
بمثل هذا التّعريف مثلا، لا يمكننا أن نعتبر حزب العدالة والتنمية التركيّ حزبا إسلاميّا، فهو في قانونه الأساسي يحترم وبشدة كلّ الحقوق والحرّيات المذكورة أعلاه، على الأقل نظريّا. في حين يمكن أن نعتبر طارحي الخلافة الإسلاميّة أو تطبيق الشّريعة كنظام حكم إسلاميين.
ولكن ليس هذا التصنيف ـ الذي أتبنّاه ـ هو الوحيد فهناك تصنيفات أخرى أكثر أو أقلّ تقنيّة. وفي كلّ الأحوال ليس هدفي تبرير مدى وجاهة كلّ هذه التصنيفات وإنّما ملاحظة الأزمة التي تمرّ بها. وفي الحقيقة لا بدّ أيضا من تصنيف هذه الأزمات ووضعها في سياقها التاريخي والفكري لتفهّم أسبابها.
 يمكن تلخيص أيديولوجيا الإسلاميين بأن أفضل أساليب الحكم هو نظام الخلافة لأنه النظام الإسلامي الطبيعيّ والذي يتّفق الجميع على أنه الحقّ المطلق حيث تطبق الشريعة بحذافيرها. وطبعا لا بد من تفكيك هذه الحجّة وفهمها وفهم تداعياتها. هذه الحجّة الّتي هي قلب الفكر الإسلامويّ الذي يعتبر طبعا متشددا وعدوّا للنظام الديمقراطي بطرحه لأسلوب حكم ثيوقراطيّ شموليّ. وسبب هذا المنتوج الفريد بين بقيّة الدّيانات الكبرى هو حضاريّ ولغويّ قبل كلّ شيء.
ولكن قبل كشف مدى سطحيّة وبساطة وفشل هذا الفهم دعنا نطرح أوّلا الأسلوب الّذي نتأكّد به من نجاح أنظمة الحكم، وهو دراسة مدى الإستقرار. يعتقد فوكوياما مثلا أن الحلقة المفرغة التي شهدها القرن العشرون (رأسماليّة ليبراليّة ديمقراطية ثمّ صعود شموليّات فاشيّة و شيوعيّة ثم إنتصار الرأسماليّة الليبراليّة الديمقراطية) هي دليل على الإستقرار والقدرة على التأقلم والإصلاح مقارنة بغيرها من الأنظمة. ومن بين الأحداث المهمّة أيضا في هذا القرن إنهيار آخر نظام الخلافة الإسلاميّة معروف في تركيا. ولكن مثل هذا الحدث ليست له دلالة كبيرة لأن العثمانيين إرتكبوا خطأ التحالف مع ألمانيا والمجر والنمسا في الحرب العالميّة الأولى فمصيرهم إرتبط بمصير حلفائهم. فهل من الممكن الحكم على النظام الإسلاميّ بنفس الطّريقة؟ ليس ذلك كافيا بالنسبة لي على الأقل.
إذن فلنعد من البداية للنظر إلى الصورة الكاملة : لقد ولدت الخلافة الإسلاميّة كنظام سياسيّ إثر وفاة محمّد في المدينة، ليتولّى رفيق دربه أبو بكر الحكم والقيادة السّياسيّة ليخوض حربا ضدّ القبائل المنشقّة عنه. و منذ بداية حكم أبي بكر حتّى مقتل عليّ بن أبي طالب كانت المرحلة المعروفة بالخلافة الراشدة. عرفت تلك الفترة تقلّبات عديدة مثل كلّ نظام جديد ناشئ : فبعد إغتيال عمر بن الخطّاب تولّى عثمان بن عفّان الحكم، وأشعل مقتل عثمان أكبر أزمة في التاريخ الإسلاميّ على كلّ المستويات وهي الفتنة الكبرى التي مازالت آثارها متواصلة إلى اليوم.
ولكن من الضروريّ الإشارة إلى أن الخلافة كانت أوليغارشيّة ولم تتحوّل إلى الوراثة إلّا مع تأسيس الدّولة الأمويّة في دمشق إثر مقتل عليّ وإنهزام أنصاره. وفي كلتا الحالتين نكتشف أن نظام الحكم لم يوفّر أيّ إستقرار بل كان سببا في إندلاعها في الفتنة الكبرى، وأزّم الأوضاع من خلال الحكم غير الرّشيد لعدد من الخلفاء الأمويّين.
إذن من الناحية التاريخيّة، عرف نظام الخلافة كل المشاكل والأزمات مثل كلّ النّظم الأخرى، وطرحت مسألة شرعيّة الحاكم فيه في مرحلة مبكّرة هي مرحلة عثمان بن عفّان. يرسم لنا الطّبري في كتابه الموسوعيّ "تأريخ الطبري" صورة شديدة القتامة عن الأزمة السّياسيّة في عهد عثمان، ويمكن أن نتخيّل أن التّهجّم علي صحابيّ مبشّر بالجنّة وخليفة للمسلمين أمر صعب، فكيف إذن القتل والتنكيل به؟ وقد تكون الحقيقة أسوأ لأن التاريخ الإسلاميّ قد كتب في الحقيقة من طرف واحد داخليّ وحيث كان أغلب المؤرّخين رجال دين بدرجات متفاوتة من الحياد إزاء الحقيقة.
هل يطرح إذن نظام الخلافة حلّا للمشاكل السياسيّة المعاصرة؟ لقد أثبت لنا أوّل قرن في العصر الإسلاميّ مدى سهولة إنحراف دولة النّسّاك المزعومة هذه نحو الفساد في عصر السّلف الصّالح كما يقال، فما بالك في عالم اليوم؟
إذن إلام يستند الإيمان المطلق بأن الخلافة هي الحلّ إلى حدّ إعتبارها أمنية الأمنيات؟ أعثقد شخصيا أنه يرتبط بإيمان بنقاط أخرى هي على التوالي :
                     الإنسان خليفة الله في الأرض
                     الدين عند الله الإسلام
                     لا بدّ من إنضواء المسلمين تحت حكم واحد
                     نظام الحكم الطبيعي المرتبط بالإسلام هو الخلافة
يقود الإعتقاد في هذه النقاط بفهم حرفيّ متشدد إلى مشروع الخلافة بطريقة طبيعيّة. وهذا ما يجب أن نواجهه حقيقة لأن مركزيّة الذّات egocentrisme هي أكبر أزمة تواجه أي فكر. ولكن أكبر تحد لهذه الأيديولوجيا هو مواجهتها بالمنطق الطبيعي الذي نتفق على وجاهته في عالم اليوم.
الخلط الأوّل والأشد وضوحا هوالخلط بين أن الإنسان خليفة  الله على الأرض وبين خليفة المسلمين الحاكم. هذا الخلط في المفاهيم أدى ببساطة إلى إعطاء الخليفة صلاحيات إلاهيّة، وهذا كلّه موثّق في كتب التّاريخ. طبعا نلاحظ أن الإنسان الذي يحترم حقوق الآخرين وحريّة المعتقد لدى الآخر سوف يخجل من العجرفة اللاأخلاقيّة بتحويل معتقده الشخصيّ إلى قانون يطبّق على الآخرين.
قد يكون من الموضوعيّ إعتبار أنه لا بد من إنضواء المسلمين تحت حكم واحد كجزء من العقيدة، ولكن البحث في هذا الموضوع ممكن أيضا على إعتبار أن الإسلام كغيره من الأديان التوحيديّة يعد بمملكة ثانية بعد الموت حيث الحكم لله، وأن الحكم المقصود على الأرض ليس سوى الإلتزام بأوامر الدين ونواهيه على مستوى الفرد والجماعة المتجانسة. قد يكون من المهم إعتبار الوضع السياسيّ في لحظة نشوء الإسلام في الجزيرة العربيّة حيث لا وجود لوحدة حقيقيّة غير وحدة اللغة. ولكن القول بأن نظام الحكم الطبيعيّ للمسلمين هو الخلافة هو ضرب من المغالطة التاريخيّة.   مجرّد رفع شعار "السلف الصالح" يغري الكثير من المسلمين ولكنه لا يحوّل أفكارهم عن السياسة إلى أفكار صالحة لعصرنا لمجرّد أن الإنسان الصّالح ليس بالضّرورة صالحا لكلّ زمان وهذا مايثبته التاريخ دوما، كما أن كون الإنسان فقيها في الدّين لا يجعله بمعجزة عالم بيولوجيا أو إقتصاد أو رياضيّات.. أو سياسة.
إن سلبيّات الحكم الدّيني كما في نظام الخلافة أو حين تطبيق الشريعة كثيرة، ولعلّ أهمّها تحوّل كلّ معارضة أو حركة إصلاحيّة إلى ردّة، وكلّ فكرة جديدة إلى بدعة، وكلّ حاكم إلى نوع من الآلهة. والمؤلم هو أن الثقافة الدينيّة تروّج لهذا المشروع وسط النّشاط الدينيّ بسهولة، فالمرء لا يفكّر كثيرا بل ويهضم كلّ فكرة يردفها رجال الدّين بـ"آمين" و "رضي الله عنه" و "قدّس سرّه"...
إن إدعاء الإسلاميين بأن الخلافة هي أفضل نظم الحكم إنما هو الشرّ بعينه، لأن المقصود بهذا الإدعاء هو فرض نظام حكم إبتدعه مسلمو القرن السّابع ميلاديّ بهدف إيجاد خليفة للنبيّ محمّد على مسلمي القرن الحادي والعشرين، الذين يعيشون في عالم شديد التعقيد والإختلاف مقارنة بأسلافهم. إن الفرق بين الناس الملحوظ بعد الخمسين سنة الماضية لهو شديد العمق، ونحن لا نكاد نتّفق على صلوحيّة خياراتهم، وفي هذا رسالة شديدة الوضوح لهواة التقدّم إلى الوراء.
طبعا هناك فئة مميّزة من الإسلاميين تمثّل الصوّرة القاتمة لهذه الحضارة : وهم المقاتلون المتشددون. هؤلاء يمثّلون أكثر من نصف الإرهاب العالميّ من ناحية عدد التنظيمات وهو أمر لا فخر فيه، والغريب في الأمر هو أن النسبة الكبرى من ضحاياهم هم مسلمون! والأسوأ من كلّ هذا هو وعيهم بمدى إجراميّة أعمالهم ولكن، كما يبدو، فإنّ التبرير الدّيني قادر على تحويل أيّة جريمة إلى فضيلة. ومما يثير القلق إرتباط الحركات السياسيّة الإسلاميّة عادة بمثل هؤلاء، وهناك شكوك تحوم حول حركة النهضة خاصة في هذا الموضوع رغم أن أحدا لم يثبت إدانتها بذلك سوى عن طريق ربطها بحركة الإتجاه الإسلاميّ في الثمانينات وحركات جهاديّة أخرى، وهو ما يبدو غير كاف.
إنّ أي نظرة بسيطة إلى أي تصنيف يضم الحركات الإرهابيّة في العالم يكشف أن الدين الإسلاميّ هو الأيديولوجيا الأكثر تواترا، تليه في ذلك القوميات الإنفصاليّة. وفي أفضل تصنيف وجدته ـ للدكتور د. ك. غوبتا  Dipak K. Gupta  من جامعة سان دييغو كاليفورنيا   في كتابه "من هم الإرهابيون" ـ إحتلت الحركات الإسلامية 23 مقعدا من جملة 37 إعتبرها هو الأكثر خطورة في العالم. لا بد من أن أشير أن العديد من المسلمين يرفضون إدراج حركتي "حماس" و "حزب الله" في مثل هذه اللائحة، ولكن حتى لو حذفناهما فالنسبة ستكون 60 % وهي نسبة رهيبة، كما تضم اللائحة أسماء خطيرة ومعروفة مثل "الجماعة الإسلاميّة المسلحة" في الجزائر و"عسكر طيبة" في كشمير و"القاعدة" في أفغانستان و"الجماعة السلفيّة للدعوة والقتال" في شمال أفريقيا عموما  وجماعة "أبو سيّاف" في الفلبّين ، وهذه أسماء أصبحت أشد إثارة للرعب من "الإيتا" و"الأوم شينري كيو" و"الفارك".
من أين جائت إذن كلّ هذه الهمجيّة؟ ماهي جذور العنف في الفكر الإسلاميّ والتي جعلت الإسلاميين يصبحون ـ عن حق أو عن باطل ـ مرادفين للإرهاب؟ لاأعتقد حقيقة أن الأمر مجرّد سوء فهم لهؤلاء : هناك أزمة ما في هذا الفكر بكل وضوح. أعتقد شخصيا أن للمؤسسة الدينية وتاريخها دور شديد السلبيّة هو المسبب المباشر لما حصل ويحصل.
يمكن أن نعتبر أن العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية هو بكلّ وضوح العصر العبّاسيّ، ففيه ظهر كلّ ما نعرفه الآن عن الإسلام : الحديث و التآريخ والفنون والفلسفة والعلوم.. في هذا العصر إرتفعت نسبة الحريّة وأصبح التعايش والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين طبيعيا إلى حد ما. الغريب في الأمر هو أن أغلب المسلمين لا يعرفون شيئا عن هذه الحقائق : فبعد أن تتعلّم أن الأحاديث الشريفة هي ثاني مصادر التشريع، لا أحد يجد الوقت لإخبارك أن هذه الأحاديث كتبت بعد قرنين من حدوثها في أفضل الحالات. ثم يطالبونك بأن تقدس كل حرف منها، وأن تسلب الناس حريتهم من أجل ذلك. لولا الإمبراطوريّة العبّاسيّة لكنّا في نظر التاريخ مجرّد برابرة مقاتلين مثل المغول.
لقد كانت الدولة العبّاسيّة والأندلس هي أهم لحظات هذه الحضارة : ففيهما كان العلم والمعرفة خيرا مطلقا، لا ينحصر بعرق أو لغة أو دين. ولأن النظام السياسيّ لم يتغيّر كثيرا فقد إنتهت مرحلة الإنفتاح والتطوّر هذه بهجرة الأدمغة خارجا ـ كما حصل مع إبن الشاطر واليهودي موسى بن ميمون ـ نتيجة لصعود التعصب الديني الذي طال المفكرين وإطارات الدولة وخاصّة غير المسلمين منهم. وشهد القرن الخامس عشر ميلادي أكبر كارثتين في الحضارة العربية الإسلاميّة بانهيار الأندلس وغلق باب الإجتهاد من طرف من يعتبرون "الفقهاء". هناك من يخلص إلى أن هذا الإنهيار في الأندلس كان حتميا نتيجة لتحالف المعتمد بن عبّاد، حاكم إشبيلية، بالمرابطين المتزمّتين القادمين من المغرب، لمواجهة تهديد ملك قشتالة. لقد حوّل المرابطون الأندلس إلى واحة للتشدّد مما جعلها تنهار إداريّا وحضاريّا.
هل تجاوز إسلاميّو اليوم آثار الأمس؟ للأسف الشّديد لم يفعلوا. ما زالت المسألة مسألة دين بالنسبة لهم، وكأن صناعة دولة دينيّة هو خطوة لا بدّ منها للتقدّم، وللأسف فالعكس هو الصحيح كما أثبت التاريخ.   إن النظر إلى مشاكل العصر الحديث بعقل شيوخ أحدثهم مات منذ ستة قرون هو ظلم للإسلام والإنسانيّة معا. لا يجوز اليوم أن يكون شخص ما مواطنا من درجة ثانية بسبب إنتماء ديني، ويدفع بموجب ذلك ضريبة ما وكأنه يشتري أمنه. ليس هذا هو الحلّ السحريّ لمشاكل الأقليّات.

mercredi 17 août 2011

وهم القوميّة العربيّة


لا أعرف لماذا لا يجد أغلب الناس في وطننا حلولا أو إمكانيّات خارج عبادة الأشخاص والبطولات المفترضة في ما إنقضى من التاريخ. ربّما هي حالة مرضيّة أصابت الوعي العربي ـ الذي لا يمكن إعتباره في العمل السياسي سوى لا وعي ـ ولكن توجد أيضا أسباب أخرى. طبعا هذه الحالة ليست وصفا للمتزمتين الدينيين فحسب، فقد تحدثت عنهم بما يكفي، ولكن يتعلّق الأمر بالمتزمتين السياسيين أيضا، خاصة القوميين والشيوعيين منهم.
أما الشيوعيون فقد كانت الإجابة لهم واضحة في العشرين سنة الماضية بانهيار جدار برلين والإمبراطوريّة السوفياتيّة سيئة الذكر التي تفخر بأنها قتلت من أبنائها أكثر ممن قتلت من أعدائها. ولا شيء يعبّر عن وضع الشيوعيّة اليوم أكثر من كوبا و كوريا الشماليّة والصّين، حيث لا قيمة تذكر للإنسان. وما لم يلتزم الشيوعيون بمشروع جديد يمثّل نقلة نوعيّة في التنظير، فإن دورهم سيبقى هامشيا رغم أن ذلك لايمثل نقصا في وطنيتهم بقدر ما هو فشل أيديولوجي. ولكن فيما يخصّ القوميين فالوضع مختلف : فدعايتهم على طريقة السوفيات أنقذتهم من موت أفكارهم في السبعينات فهاهم يعودون ليبدأ الإزعاج من جديد.
ولكن ما معنى القوميّة العربيّة؟ هل هي التآزر و التضامن والتنسيق المشترك وتبادل الخبرات بين الدول التي تصنّف نفسها عربيّة؟ هل هي مجرّد حركة عرقيّة تافهة بقدر تفاهة النازيّة والتمييز العنصري؟ هل هي مشروع بناء دولة واحدة تضمّ كلّ الناطقين بالعربيّة؟ ربّما حتّى القوميون أنفسهم لا يعرفون. ولكنني أعتقد أن القوميّة هي مزيج من كلّ هذا ومن أشياء أخرى.
حين ننظر بطريقة سطحيّة بسيطة إلى أحداث القرن العشرين نستطيع أن نقسّم المرحلة التاريخية للقوميّة العربيّة إلى ثلاث مراحل :
                                             مرحلة التنظير : النصف الأوّل من القرن العشرين
                                             مرحلة التطبيق : الخمسينات والستينات
                                             مرحلة الإنهيار والتراجع : بداية من 1967
يرتبط هذا التقسيم البسيط بمجموعة من الأحداث لا يمكن تجاهلها : فصعود جمال عبد الناصر إلى الحكم في مصر إثر الإنقلاب على الملك سنة 1952 مثّل أهمّ قفزة نوعيّة للقوميّة العربيّة. وكانت هزيمة 1967 المفاجئة التي أدّت إلى أزمة في حكم عبد الناصر إيذانا بسقوط المشروع القومي وبداية سياسة أقلّ راديكاليّة في الدّول العربيّة، على المستوى الخارجيّ على الأقل.
لا يمكن أن نتجاهل أيضا دور حزب البعث في تبلور القوميّة العربيّة، بقيادة مؤسسه وفيلسوفه ميشيل عفلق. ففي دستور البعث هناك مبدأ غير قابل للمساومة، هو أن العرب يمثّلون دولة واحدة لا يمكن تقسيمها لأيّ إعتبارات سياسيّة أو إقتصاديّة. وقد يتّفق أغلب الباحثين على أن مشروع الوحدة السياسيّة أساسا هو لبّ حركة القوميّة العربيّة، فلا معنى لهذا المفهوم مادام العرب منقسمين في دول ودويلات وممالك.
طبعا هذه المبادئ السياسيّة كانت إيذانا بنهاية مرحلة التنظير فقد صيغت هذه المبادئ سنة 1947. وإلى حد ما تبنى الناصريون نفس المبادئ الأساسيّة للفكر القومي إثر وصولهم إلى السلطة. قد يعطي هذا التأريخ إحساسا بأن القوميّة أكثر حداثة من الإتجاهات الأيديولوجيّة الأخرى : فقد ظهرت الشيوعيّة أواسط القرن التاسع عشر في حين تبلورت الليبراليّة في شكلها المعاصر أوائل القرن العشرين. ولكن هذا الرأي لا يبدو نزيها، فالشيوعيّة و الليبراليّة الرأسماليّة منتجان غربيّان أساسا، وقد يفيد أن نعرف أن مرحلة القوميّة في الغرب كانت أقدم بكثير حيث إرتبطت أساسا بالقرن السادس عشر. ولكن الحركة القوميّة العربيّة مختلفة تماما عن القوميّة بمفهومها الغربي والتي ظهرت أساسا كردّة فعل مباشرة لسيطرة الكنيسة وكنتيجة لظهور البروتستانتيّة.
من أهم المعلومات التي وجبت سياقتها حول القوميّة العربيّة هو أنها لم توجد فكريّا بمعزل عن الواقع السّياسيّ : فالقوميّون الذين نادوا بتحرر الوطن العربيّ من الإمبراطوريّة العثمانيّة قبل إنهيارها سنة 1914 هم قلّة نادرة. ولا عجب أن أهمّ قضيّة سياسيّة للقوميين أثناء المرحلة النّاصريّة هي القضيّة الفلسطينيّة إلى درجة أصبحت معها السياسة الداخليّة برنامجا ثانويّا.  ومن الكوارث التي أصابت القومية تحوّل حزب البعث بشقّيه السوريّ والعراقي إلى مرحلة الديكتاتورية والفساد في السبعينات لينتج أسوأ نظامين عربيين معاصرين، ولتصبح القوميّة نفسها مجرد قضيّة ثانويّة بالنسسببة للنظامين المذكورين.
كذلك أثبتت مرحلة الوحدة أو ما يعرف بالجمهوريّة العربيّة المتّحدة مدى صعوبة توحيد ما يعتقده القوميّون شعبا واحدا مقّسم في عدّة دول. وأدى هذى الفشل إلى أوّل مواجهة بين الأيديولوجيا كنظريّة والواقع التطبيقي. وحين إنتهت الوحدة مع سوريا إتّضح كم كان المشروع القوميّ مجرّد يوتوبيا.
تحوّلت القوميّة عندها من مرحلة المشروع إلى مرحلة الوسيلة الدّعائيّة وساد شعور بين القوميين يقضي بأن البدء المنطقيّ بالمشروع القوميّ غير ممكن من دون قيآم دولة فلسطين. وقد أجّج هذا الأمر الوضع العالميّ المتأزّم حينها فانجرف عبد الناصر وراء الدعم السوفياتي ليجد نفسه في قلب الحرب الباردة. ولعلّ الميل الطبيعيّ لدى القوميين للإشتراكيّة والتقارب الإسرائيلي ـ الأمريكي جعل القوميّة تفلت من بين أصابع القوميين لتصبح سلاحا من أسلحة الحرب الباردة.
أمّا الإنهيار الرّسمي للنظام الناصريّ فقد أعلنت عنه الحرب الإستباقيّة الّتي شنّتها إسرائيل في 1967 لتنزل بمصر أقسى كارثة عسكريّة لها. لقد تحمّل عبد النّاصر مسؤوليّة الكارثة ممّا جعل منه بطلا وأنقذ ما يمكن إنقاذه، وهو صورته الإعلاميّة التي كانت جوهر قوّته وكانت تلك نهاية قوميّة القرن العشرين.
ولكن ما سبب ظهور القوميين الجديد إثر الثورة التونسيّة؟ هذا السؤال له إجابة غير معقّدة : وهو أنّ كلّ الظروف أتاحت ذلك. لقد كانت تونس بمعزل عن الحكم القوميّ طيلة مدّة رئاسة بورقيبة. أضف إلى ذلك تواصل الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ وسقوط حكم صدّام وإعدامه البربريّ الذي سهّل نسيان جرائمه وأعاد إحياء نظريّة المؤامرة الغربيّة ضدّ القوميين. إنّ تونس إفتقرت كليّا لمثل هذه التجربة، ومثلما دفعت سياسة بورقيبة المتفتّحة إلى ظهور الحركات الإسلاميّة، كان التقارب البورقيبي ـ الغربيّّ حافزا لظهور القوميين الذين جعلت منهم أحداث الستّينات يتقاربون مع الجميع، إلّا الغرب.
أمّا عن مستقبل القوميين في تونس فالقضيّة أكبر من القوميين أنفسهم، فتونس مقبلة على تغيّرات عميقة لا أحد يعرف مدى سلبيّتها أو إيجابيّتها. والأهمّ من ذلك هو أنّ القوميين لا يعرفون مدى راديكاليتهم أو حجمهم وقدرتهم على خوض غمار اللعبة الديمقراطيّّة وهي عوامل ستكون مصيريّة في المستقبل البعيد. ولذلك فالحديث في هذه المرحلة لا يكون له معنى إلّا في إطار السياسة الخارجيّة.
تعتبر جامعة الدول العربيّة الحجر الأساس بالنسبة للمشروع القومي، نظرا لكونها تجمع دوريا قادة هذه الدول جنبا إلى جنب. ولكن تاريخ هذه المنظمة يكشف لنا عن كمّ رهيب من الصراعات والمشاكل ولم تكن لها في أي لحظة قدرة واضحة على إستيعاب الخلافات بين هذه الدول. فلنذكر مثلا أن أهمّ قراراتها كانت بضغط تفرضه الأحداث مثل الحروب، وأنها فشلت فشلا ذريعا حتى في الإلتزام بقضيّة الشعب الفلسطيني. أهم الإفرازات التي خرجت من رحم هذه المنظمة كانت خلافات أكثر من الحلول والمشاريع، وتجاوزت الأحداث بسرعة هذه المنظمة مع ظهور حركات الربيع العربي. أصبح مجلس التعاون الخليجي أكثر جدّية سياسيّا، إلى درجة إمضاء معاهدة دفاع مشترك، في حين عجزت الجامعة العربيّة عن ذلك. ربما للا بدّ من أن نعترف أن الإختلافات بين الدول العربيّة أعمق ممّا نتخيّل : فقد لعبت المملكة العربيّة السعوديّة دورا أكبر من الجامعة العربيّة بأسرها في محاولة إنهاء العدوان العراقيّ على الكويت سنة 1990 مثلا.
كان من الأسهل إذن ظهور تحالف ملوكيات الخليج من لمّ الشمل العربيّ بأسره، وهذا يكشف لنا أن التجانس في أنظمة الحكم هو أحد أهم العوامل في وحدة القرار السياسيّ. ولكن يجب أن نتذكّر أن مشروع الوحدة العربيّة هو مشروع سياسي بحت، ولو نظرنا مثلا إلى الإتحاد الأوروبي لأكتشفنا أنه قائم على أبعاد إقتصاديّة أساسا، في حين تبقى الإختلافات في المواقف السياسيّة من الأعراض الجانبيّة. وفي وجود برلمان أوروبي ومشروع سلطة تنفيذيّة أوروبيّة أكثر من عبرة، فالوحدة الإقتصاديّة تسهّل كثيرا الوحدة السياسيّة، في حين أن البدء من الوحدة السياسيّة هو ضرب من المغالطة. فالوحدة السياسية تتطلب حل مشاكل كثيرة ومعقّدة مثل الوضع اللبناني وقضيّة الصحراء الغربيّة بالإضافة إلى إنتهاء الأزمة في كلّ من ليبيا وسوريا واليمن ونجاح المشروع السياسي في تونس ومصر وربما نجاح الإصلاحات في الدول الأخرى.
لا يجب أن ننسى طبعا تلك الإختلافات الصارخة على المستوى الإقتصاديّ والإجتماعيّ. فمنطقة الخليج مختلفة تماما عن شمال إفريقيا مثلا : أي حلّ يطرحه القوميّون ليصبح المواطن السعودي الغنيّ والمحافظ إلى أقصى الحدود شريكا مع المواطن المصريّ أو السودانيّ أو الصوماليّ؟ حتّى النظام الفيدرالي لا يبدو ناجعا لتحقيق مثل هذا المشروع  ناهيك عن الوجود الإشكالي للعرقيّات الأخرى التي تهمّشها القوميّة العربيّة تماما كالأمازيغ غربا والأكراد شرقا.
المغزى الأهمّ الذى أطرحه في هذا المقال هو أن الحركة القوميّة، مثل الشيوعيّة تماما، هي في حاجة كبرى لأن تراجع نفسها بكلّ جدّية، حتّى في مستوى أفكارها التأسيسيّة. فإن كان إنهيار الشيوعيّة حدثا على مستوى صراع عالمي، فإن إنهيار القوميّة كان أزمة داخليّة في الحقيقة، خاصّة في الشقّ البعثيّ :  ففي حدود التسعينات، أصبح حزب البعث مجرّد دمية في مستوى القرار والتنفيذ في العراق، وقد إدعى الباحث هشام داوود أنه دائرة القرار السّابعة وراء سلط أخرى مثل مجلس قيادة الثورة (وعلى رأسه صدّام حسين) والحرس الجمهوري والميليشيّات والمخابرات الأمنية والسياسيّة بل إن الحكومة كانت مصنفة في المرتبة التاسعة وراء الجيش! هذا الوضع شبيه بالتحوّل الديكتاتوري السريع للشيوعيّة في كلّ أشكالها المعروفة.
من المهم إذن أن تتخلص الحركة القوميّة من هذا الإرث الثقيل الذي تركه البعث وعبد الناصر، والولادة من جديد أيديولوجيا، ومن دون هذه المراجعة لن يستطيع القوميون النهوض حتّى بوصولهم إلى الحكم وسينتهي الأمر إلى صراعات وفشل إقتصادي وحروب لها نتائجها الكارثيّة المعتادة التي يعرفها كلّ نظام غير واقعيّ.

17 أوت 2011